ابن قيم الجوزية

370

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

إليه ، سامع لقوله . وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة ، وكل نفس وكل طرفة عين . والغافل عن هذا بمعزل عن حال أهل البدايات . فكيف بحال المريدين ؟ فكيف بحال العارفين ؟ . قال الجريري : من لم يحكّم بينه وبين اللّه تعالى التقوى والمراقبة : لم يصل إلى الكشف والمشاهدة ؟ وقيل : من راقب اللّه في خواطره ، عصمه في حركات جوارحه . وقيل لبعضهم : متى يهشّ الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة ؟ فقال : إذا علم أن عليه رقيبا . وقال الجنيد : من تحقق في المراقبة خاف على فوات لحظة من ربه لا غير . وقال ذو النون : علامة المراقبة إيثار ما أنزل اللّه ، وتعظيم ما عظم اللّه ، وتصغير ما صغّر اللّه . وقيل : الرجاء يحرك إلى الطاعة ، والخوف يبعد عن المعاصي ، والمراقبة تؤديك إلى طريق الحقائق . وقيل : المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كل خطرة وخطوة . وقال الجريري : أمرنا هذا مبني على فصلين : أن تلزم نفسك المراقبة للّه ، وأن يكون العلم على ظاهرك قائما . وقال إبراهيم الخواص : المراقبة خلوص السر والعلانية للّه عزّ وجلّ . وقيل : أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريق : المحاسبة والمراقبة ، وسياسة عمله بالعلم . وقال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري : إذا جلست للناس فكن واعظا لقلبك ونفسك . ولا يغرنك اجتماعهم عليك . فإنهم يراقبون ظاهرك . واللّه يراقب باطنك . وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة اللّه تعالى في الخواطر : سبب لحفظها في حركات الظواهر . فمن راقب اللّه في سره ، حفظه اللّه في حركاته في سره وعلانيته . و « المراقبة » هي التعبد باسمه « الرقيب ، الحفيظ ، العليم ، السميع ، البصير » فمن عقل هذه الأسماء ، وتعبد بمقتضاها : حصلت له المراقبة ، واللّه أعلم . درجات المراقبة قال صاحب المنازل : « المراقبة : دوام ملاحظة المقصود . وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام ، بين تعظيم مذهل ، ومداناة حاملة . وسرور باعث » . فقوله : « دوام ملاحظة المقصود » أي دوام حضور القلب معه . وقوله : « بين تعظيم مذهل » فهو امتلاء القلب من عظمة اللّه عزّ وجلّ . بحيث يذهله ذلك عن تعظيم غيره ، وعن الالتفات إليه . فلا ينسى هذا التعظيم عند حضور قلبه مع اللّه . بل يستصحبه دائما . فإن الحضور مع اللّه يوجب أنسا ومحبة ، إن لم يقارنهما